مصطفى مسلم
59
مباحث في التفسير الموضوعي
المباني ، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة . ثم فتح اللّه عزّ وجلّ لنا فيه ، فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين اللّه ورددناه إليه ) « 1 » . قال الزركشي : ( وقال بعض مشايخنا المحققين - وسماه السيوطي في الإتقان : الشيخ ولي الدين الملوي : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنها على حسب الوقائع المتفرقة ، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزله جملة إلى بيت العزة ، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك علم جم . وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له ) « 2 » . اه . قال البقاعي في نظم الدرر : ( وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب ، وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقين : أحدهما : نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب ، والثاني : نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب . والأول أقرب تناولا وأسهل ذوقا ، فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتز لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره . وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز . ثم إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك ، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد فظن أنها متنافرة ، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط ، ربما شكّكه ذلك وزلزل إيمانه وزحزح إيقانه . . . إلى أن يقول : فإذا استعان باللّه وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوقوف بأنه في الذروة من إحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى . . . فانفتح له ذلك
--> ( 1 ) نظم الدرر : 1 / 7 ، والبرهان : 1 / 36 . ( 2 ) نظم الدرر : 1 / 8 ، والبرهان : 1 / 37 ، والاتقان : 2 / 108 .